فصل: مسألة الذي يسقيه الطبيب فيموت:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الذي يسقيه الطبيب فيموت:

ومن كتاب العقول:
قال: وسألته على الذي يسقيه الطبيب فيموت، وقد سقى أمة بالمدينة، فماتت من ساعتها، أعليه غرم؟ فقال: ما أرى عليه غرما، ولكن لو تقدم إليهم الآن في ذلك ضمنوا؛ لكان نعم الشيء، يقال لهم: أيما طبيب سقى إنسانا أو بطة فمات فعليه الضمان، وأرى أن يفعل ذلك بهم، ويتقدم إليهم ألا يداوي أحد لا يعلم، يعمد أحدهم إلى الصحيح الذي ليس به بأس فيسقيه شيئا فيقتله، قال مالك: قال لي ربيعة غير مرة ولا مرتين: ولا تشرب من دواء هؤلاء الأطباء إلا شيئا تعرفه. قال مالك: وإني بذلك لمستوص. قال مالك: وإني لأرى للإمام أن لو نهى هؤلاء الأطباء عن الدواء إلا طبيبا معروفا، وأرى أن يقول لهم: من داوى إنسانا فمات فعليه ديته، وأرى ذلك عليهم إذا أنذر مثل أن يسقي إنسانا صحيحا فيموت مكانه فهذا سم، فأرى إذا تقدم إليهم أن يغرموا، ومثل الذي يقطع عرقا، فلا يزال يسيل دمه حتى يموت، فأما الذي يداوي المريض؛ فمنهم من يموت، ومنهم من يعيش فليس ذلك هذا، وهذا سقى جارحة بها بهق، فماتت من ساعتها، فهل هذا إلا سم؟
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم كتب عليه ذكر حق، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري المتاع فيه الخلل فيستأجر عليه فيكمدونه حتى ينسد الخلل ثم يبيعونه:

ومن كتاب البيوع الأول:
قال أشهب وابن نافع سئل مالك عن الذي يشتري المتاع فيه الخلل والسقط، فيستأجر عليه كما دين فيكمدونه حتى يصفق، فينسد كل خلل أو سقط، ثم يبيعونها أترى بذلك بأسا؟ قال: لا خير في الغش، وأنا أكره مثل هذا.
قيل له: أفرأيت الرجل يأتي بطعامه التمر وما أشبهه فيصبره صبرا، فيكون حشفة، داخله وظاهره، فيجمع ما على وجه الصبرة فيلقيه ناحية، لا يدخله في جوف الصبرة؟ قال: لا يفعل مثل هذا. هذا التزيين ولا يعجبني ذلك، قلت: أرأيت الذي يصب صبرته فيها الحشف فيكون في داخلها وعلى وجهها؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يزين أعلاها، فيكون داخلها مخالفا لخارجها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن كمد المتاع ليصفق وينسد ما فيه من سقط وخلل من الغش الذي لا ينبغي، فيكون للمشتري أن يرد إن لم يعلم أن الكمد يصفقه ويسد خلله وسقطه ما كان المتاع قائما، فإن فات رد إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن على ما مضى في رسم سلعة سماها في مسألة خمر القز ترش بماء الخبز لتشتد وتصفق، وكذلك تنقية ظاهر الصبرة من الحشف؛ لأن المشتري يظن أن باطنها في النقاء من الحشف مثل ظاهرها، وأما إذا لم ينق أعلى الصبرة من الحشف، فلا كلام للمشتري؛ لأنه يستدل بظاهرها على باطنها، وبالله التوفيق.

.مسألة القضاة يتخذون رجلا لقياس جراحات الناس:

ومن كتاب أوله القراض:
وسأل ابن كنانة مالكا لابن غانم، فقال: إن القضاة كانوا قبلي يتخذون رجلا لقياس جراحات الناس، فما رفع إليهم قبلوه منه، أترى أن يجزي في ذلك رجل واحد، أم لا يجزي فيه إلا رجلان؟ فقال: اكتب إليه إن وجد رجلين فيجعلهما، ويقبل ذلك منهما، وإن لم يجد إلا رجلا واحدا، فأرى ذلك مجزئا عنه إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في استخلاف المرأة، ومثل ما مضى في رسم الأقضية لابن غانم، من سماع أشهب، من كتاب الأقضية في الترجمان، ومثل ما في سماع أصبغ من كتاب الحدود في الاستنكاه، وهو مما لا اختلاف فيه، إن كان ما يبتدئ القاضي فيه بالسؤال، ولم يكن على وجه الشهادة، فيكتفي فيه بالواحد، والاثنان أولى وأحسن، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم حلاق الصبيان قصة وقفاء:

ومن كتاب الجامع:
وسئل مالك عن حلاق الصبيان قصة وقفاء، فقال: ما يعجبني، قلت له: من الجواري والغلمان. فقال: ما يعجبني من الجواري ولا من الغلمان إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره كله فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه فيحلقوه كله، وقد كاتبت في ذلك بعض الأمراء، وأمرته أن ينهى عن القصة، فسئل عن القصة وحدها بلا قفاء، فقال مثل قوله في القصة والقفاء.
قال محمد بن رشد: حلاق الصبي قصة وقفاء، هو أن يحلق وسط رأسه، ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، ومؤخره مسدولا على قفاه، وحلاقة قصة بلا قفاء، هو أن يحلق وسط رأسه إلى قفاه، ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، وذلك كله مكروه للصبيان كما قال، لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نهى عن القزع»، وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص صغيرا من كبير، ولم يكره مالك القصة للصغيرة إذا لم يحلق بعض رأسها على ظاهر هذه الرواية كما كرهه للكبيرة، ففي كتاب جامع المسائل والحديث لأصبغ قال: سمعت ابن القاسم يقول: كره مالك القصة لشعر المرأة كراهية شديدة. قال: وكان فرق الرأس أحب إلى مالك فيما أظن.
قال محمد بن رشد: وإنما كره ذلك لها، والله أعلم؛ لما جاء من أن أهل الكتاب كانوا يسدلون شعورهم، وكان المشركون يفرقون، «وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، فسدل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناصيته ثم فرق بعد»، وروى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك قال: رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن عروة، يفرقون شعورهم، وكان لهشام جمة إلى كتفيه.
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون كل من لم يفرق شعره، وقد روي: «أن شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان دون الجمة وفوق الوفرة»، وروي: أنه «كان إلى شحمة أذنه». وروي: «أنه كان بين أذنه وعاتقه»، وروي: «أنه كان يضرب منكبيه»، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر أحسن من جزه وإحفائه، وذهب الطحاوي إلى أن جزه وإحفاءه أحسن من اتخاذه واستعماله، واحتج بما روي من «أن أبا وائل بن حجر أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد جز شعره، فقال له: هذا أحسن». قال: لأن ما قال فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه أحسن، فلا شيء أحسن منه، ومعقول أن قد صار إليه، وترك ما كان عليه قبل ذلك؛ إذ هو أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس، وهذا في الرجال، وأما في المرأة فلا اختلاف في أن جز شعرها مثلة، وفي كتاب المدينين سئل ابن نافع هل كره للمسلمة أن تفرق قصتها كما يصنع نساء أهل الكتاب؟ قال: لا، وبالله التوفيق.

.مسألة إحفاء الشوارب:

وسئل مالك عمن أحفى شاربه، فقال: يوجع ضربا، وليس هذا حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإحفاء، وكان يقال: يبدو حرف الشفتين الإطار. وقال: لم يحلق شاربه. هذه بدع تظهر في الناس، وذكر زيد بن أسلم أن عمر كان إذا أكربه أمر نفخ يقول: أواه أواه، قال: فجعل رجل يراده وهو يفتل شاربه بيده، قال: فلو كان شاربه منموصا ما وجد ما يفتل. هذه بدع قد ظهرت في الناس.
قال محمد بن رشد: إنما سئل مالك عمن أحفى شاربه لما جاء من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بإعفاء اللحاء، وإحفاء الشوارب»، والإحفاء الاستئصال بالحلق. وجمله جماعة من العلماء على ظاهره وعمومه، منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. فقالوا: إحفاء الشوارب أفضل من قصها، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، فكان يحفي شاربه إحفاء شديدا. ويقول: السنة فيه أن يحفي كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحفوا الشوارب»، وذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أن السنة فيه أن يقص ويؤخذ منه حتى يبدو طرف الشفة: الإطار، ولا يستأصل جميعه بالحلق؛ لأنه روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من لم يأخذ شاربه فليس منا»، وأنه قال: «خمس من الفطرة؛ فذكر منها قص الشارب»، فجعل ذلك من قوله مبينا لأمره بإحفاء الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار لا جميعه. وقوله صحيح؛ لأن استعمال الأحاديث وحمل بعضها على التفسير لبعض أولى من الأخذ ببعضها، والاطراح لسائرها، لاسيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها، والأخذ منها، وألا تعفى كما يفعل باللحاء، وهو دليل واضح، لذلك قال: إن حلق الشارب مثلة، وحكم له بأنه بدعة، ورأى أن يؤدب من فعل ذلك لما فيه من تقصير السلف المتقدم في مخالفتهم ظاهر الحديث والجهل به، وهم ما جهلوه ولا خالفوه، لكنهم تأولوه على ما تأوله عليه مالك، والله أعلم.
ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من السلف المتقدم، وقد قال بعض المتأخرين: إن الشارب لا يقع إلا على ما يباشر به شرب الماء، وهو الإطار، فذلك الذي يحفى، والصحيح أن الشارب ما عليه الشعر من الشفة العليا، إلا أن المراد بإحفائها إحفاء بعضها، وهو الإطار منها لا إحفاء جميعها، بدليل الحديثين الآخرين، وقد روي عن ابن القاسم أنه كان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويقول تفسير حديث النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في إحفاء الشارب إنما هو الإطار، والأظهر أن ذلك ليس بمكروه، وأنه مستحسن، فيقص جميع الشارب؛ لما جاء في الحديث من أن قصه من السنة، ويحفى الإطار منه؛ لما جاء في الحديث من الأمر بإحفاء الشوارب.

.مسألة حكم بيع وتداول المصحف بقراءة ابن مسعود:

من سماع عيسى بن دينار من كتاب نقدها نقدها قال: وسمعته يقول في المصحف بقراءة ابن مسعود التي تذكر عنه، قال: أرى أن يمنع الإمام من بيعه ويضرب من قرأ به يمنعهم أن يقرءوا به ويظهروه.
قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك لأنها قراءة لم تثبت؛ إذ إنما نقلت نقل آحاد، ونقل الآحاد غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع به، وهو النقل الذي تنقله الكافة عن الكافة بما لم يقطع عليه أنه قرآن؛ لمخالفته مصحف عثمان المجتمع عليه، لا تباح قراءته على أنه قرآن؛ إذ حكمه حكم ما يروى عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من الأحاديث والأخبار، فلا تجوز الصلاة به، وكذلك قال في المدونة أن من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أعاد في الوقت وبعده، وإن علم وهو في الصلاة قطع وخرج، فوجب على الإمام من أجل هذا أن يمنع منه ويضرب عليه، ولا يثبت قراءة سوى ما ثبت بين اللوحين في مصحف عثمان، وقد قيل في القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود: إنها قراءة كان يقرؤها على وجه التفسير لأصحابه، لا على أنها قرآن، فإن كان كذلك، فالمعنى في المنع من قراءة المصحف المكتوب على هذا، وبيعه بين لا يخفى، وبالله التوفيق.

.مسألة منع النصارى واليهود من الوصايا في أموالهم:

ومن كتاب أوله العرية:
قال عيسى: وقال ابن القاسم: لا أرى لحكم المسلمين أن يمنع النصارى واليهود من الوصايا في أموالهم، وإن أحاطت الوصايا بأموالهم ويتركون على شرائعهم، وإن تحاكموا إلى المسلمين، ورضي الخصمان وقساوستهم حكم بينهم بحكم الإسلام، ولم يجز وصاياهم إلا في الثلث، وكذلك مواريثهم، وكذلك كل شيء رضي به النصارى فيما بينهم بحكم الإسلام، فلا يكون ذلك، ولا يحكم بينهم إلا برضا من أساقفتهم، فإن كره أساقفتهم ذلك، فلا يحكم المسلمون بينهم، وإن رضي أساقفتهم بحكم الإسلام، وأبى ذلك الخصمان أو أحدهما لم يحكم المسلمون عليهم، وسئل عنها سحنون، وقيل له: النصراني أله أن يوصي بجميع ماله؟ فقال: ذلك يختلف، أما إذا كان من أهل العنوة، فليس ذلك له؛ لأن ورثته المسلمون إذا مات، فليس له أن يفر بميراثه وماله؛ لأنه من أهل العنوة، ومن كان أيضا من أهل الصلح ممن عليه الجزية على جمجمته، وكل واحد إنما عليه شيء يؤديه عن نفسه ليس يؤخذ غنيهم بمعدمهم، فإن ذلك أيضا ليس له أن يوصي بجميع ماله، وليس له أن يوصي إلا بثلثه إذا كان لا وارث له من أهل دينه؛ لأن ورثته المسلمون، وأما إذا كان من أهل الصلح صالحوا على أن عليهم وظيفة معلومة من الخراج، ليس ينقصون منه أبدا لموت من مات منهم، أو عدم من أعدم منهم، وبعضهم مأخوذ ببعض، فليس يعرض لهم في وصاياهم، وليس لنا أموالهم إن مات منهم أحد ولا وراث له، وكان لأهل خراجه يتقوون به في خراجهم؛ لأنهم هم المأخوذون بخراجه، وبعضهم قوة لبعض في الخراج.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: إنه لا يمنع النصارى ولا اليهود من الوصايا في أموالهم، وإن أحاطت بجميع أموالهم، معناه إذا كان لهم ورثة من أهل دينهم، وهو صحيح؛ إذ لا اختلاف في أن ميراثهم لورثتهم من أهل دينهم، فلا ضرر على المسلمين فيما يوصون به من أموالهم، وسواء كانوا من أهل الصلح أو من أهل العنوة على مذهب ابن القاسم، فهو نص قوله في سماع يحيى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، ومن كتاب الاستلحاق أنهم في مواريثهم، وأهل الصلح سواء، وهو على قياس رواية عيسى عنه في كتاب التجارة إلى أرض الحرب أن لهم حكم الأحرار في دية من قتل منهم، وفي تزويج نسائهم والنظر إلى شعورهن، ويأتي على قياس ما في سماع سحنون من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، من أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة أن يكون ميراثهم للمسلمين، وإن كان لهم ورثة من أهل دينهم، وألا يجوز لهم وصية بثلث ولا غيره، وهو ظاهر قول سحنون؛ لأنه لم يقصد إلى التكلم على الوصية بجميع المال، فيكون في قوله دليل على إجازة الوصية بالثلث، وقد يتأول قوله على أنه لا وارث لهم من أهل دينهم، فلا يكون قوله خلافا لقول ابن القاسم.
وقوله: وإن تحاكموا إلى المسلمين، ورضي الخصمان وقساوستهم حكم بينهم بحكم الإسلام، ولم تجز وصاياهم إلا في الثلث، معناه إن شاء أن يحكم بينهم؛ إذ لا يلزمه ذلك على مذهب مالك؛ لقول الله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] وإنما يخالف في هذا بعض أهل العراق، وقد مضى هذا في نوازل سحنون من كتاب الأقضية، ومضى تحصيل القول فيه في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وشرط ابن القاسم رضا قساوستهم مع رضاهم يحمل على التفسير لما في المدونة، خلاف قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية: إنه لا يلتفت في ذلك إلى رضا أساقفتهم إذا رضوا هم بأن يحكم بينهم حكم المسلمين، وإذا لم يكن لليهودي أو النصراني ورثة من أهل دينه، فليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه؛ لأن ورثته المسلمون. وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، قال: إذا أوصى النصراني بجميع ماله في الكنيسية ولا وارث له، قال: يدفع ثلثه إلى أساقفتهم، فيجعله حيث أوصى به، ويكون ثلثاه للمسلمين، وهذا إذا كان من أهل العنوة، أو من أهل الصلح والجزية على جماجمهم، وأما إن كان من أهل الصلح والجزية مجملة عليهم لا ينقصون عنها لموت من مات منهم، ولا لعدم من أعدم، فيجوز له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء؛ لأن ميراثه لأهل دينه على مذهب ابن القاسم، وهو قول سحنون خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أن ميراثه للمسلمين إذا لم يكن له وارث من أهل دينه على كل حال، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يتلقى السلعة فيشتريها:

ومن كتاب أوله يوصى لمكاتبه:
وسئل عن الرجل يتلقى السلعة فيشتريها، قال ابن القاسم: إذا أدركت في يده، وكانت من السلع التي ليس لها أهل راتبون في السوق، فيشترونها في حوانيتهم ويبيعونها من الناس، وإنما جل أمرها وشأنها إنما يبيعها جالبها من الناس كافة، فإنها تؤخذ من يده، وتوقف للناس في السوق ليشتروها بما اشتراها به، لا يزيدونه شيئا، فإن لم يجدوا من يشتريها إلا بأنقص من ذلك الثمن ردت عليه، وإن كانت من السلع التي لها أهل راتبون في السوق يشترونها ممن يجلبها ويبيعونها من الناس، فإنها تؤخذ منه، ويشرك فيها أهل تلك السلعة الذين يشترونها من أهلها ويبيعونها من الناس إن أحبوها، وإن أبوها بالثمن ردت عليه. قلت: فإن فاتت بيده؟ قال: إن كان متعودا لذلك أدب وزجر، وإن كان ليس متعودا نهي وأمر ألا يعود. قلت: أفلا ترى أن يتصدق بربح إن كان فيها؟ قال: ما أراه بالحرام البين، ولو احتاط فتصدق به لم أر به بأسا. قال سحنون سألت ابن القاسم عن الذي يتلقى الركبان فيشتري منهم، قال: أرى أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، فإن أخذوها به، وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها، وأود به ضربا وجيعا إلا أن يعد بالجهالة، وقال لي غير ابن القاسم يفسخ البيع في هذا، وفي بيع الحاضر للبادي، وفي الذي يسوم على سوم أخيه، وفي هذه الأشياء كلها، وترد السلع على أربابها.
قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عمن تلقى سلعة أو باع لباد، فقال: أما الذي تلقى فأرى أن تعرض في السوق لمن احتاج من أهل تلك السلعة أو غيرها ممن يشتري، فتباع لنهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تلقي السلع، وأما من باع لباد، فأرى أن يفسخ البيع؛ لأن المشتري ابتاع حراما، قد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه، وسئل عن البيع للبدوي هل يختلف عندك إن كان حاضرا معه أو غائبا؟ قال: البيع له مكروه، حضر البادي أو غاب عنه.
روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب البيوع والعيوب، قيل لابن القاسم: أترى أهل نبا، وأبو صير من أهل البوادي؟ قال: لا؛ لأنهما أهل مدائن، إنما يراد بها أهل القرى، يريد به الحديث الذي جاء عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا يبع حاضر لباد». ونبا وأبو صير كورتان من كور أهل مصر.
قال عيسى: وقال ابن القاسم: إذا باع الحاضر للبادي فسخ البيع إن أدرك. قلت: فإن فات، قال: إن كان رجلا متعودا بذلك أدب وزجر، وإن كان على غير ذلك نهي عن ذلك، ولم يكن عليه شيء، وسئل عنها سحنون فقال: سألت عنها ابن القاسم، فقال: إذا باع حاضر لباد، فأرى أن يمضي البيع، وأن يؤدب أهله، قال زونان: وسئل ابن وهب عن الحاضر يبيع للبادي عالما بمكروهه، أو غير عالم، هل ترى للسلطان أن يؤدبه؟ فقال: لا يؤدب، ولكن يزجر عن ذلك.
قال الإمام القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ: فرق ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه بين شراء المتلقي وبيع الحاضر للبادي، فأجاز شراء المتلقي، ولم يفسخه، إلا أنه رأى أن تعرض السلعة على أهل تلك التجارة بالثمن الذي اشتراها به إذا أدركت في يده، أو على جميع الناس بالسوق، إن لم يكن لها أهل.
وقوله: إن أدركت بيده معناه إذا أدركت بيده قائمة إن لم يكن لها أهل، واختلف بماذا تفوت في ذلك، فقيل: إنها تفوت فيه بما يفوت به البيع الفاسد، وقيل: إنها لا تفوت إلا بالعيوب المفسدة، ولم يجز بيع الحاضر للبادي، فقال: إنه يفسخ ما لم يفت، يريد ما يفوت به البيع الفاسد، وساوى في رواية سحنون عنه بين البيعتين أنهما لا يفسخان إذا وقعتا؛ إذ لا غرر فيهما، ولا فساد في ثمن ولا مثمون، إلا أنه رأى في شراء المتلقي أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، ويلزم على قياس ذلك في بيع الحاضر للبادي، أن يكون للمشتري الرد إن شاء، إذا لم يعلم أن حاضرا باع له، وقال: ظننته باديا أشتري منه رخيصا، ولم ير ذلك له في ظاهر قوله، وذلك تعارض بين الوجهين، وساوى غير ابن القاسم بينهما في أنهما يفسخان، قال: وكذلك الذي يسوم على سوم أخيه، وهو قول مالك في رواية ابن نافع وأشهب عنه، فقول ابن القاسم في سماع سحنون عنه على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه، وقول غيره ومالك في رواية أشهب، وابن نافع عنه على القول بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، فقد قيل: إنه يقتضيه من جهة وضع اللغة؛ لأن النهي ضد الأمر، فلما كان الأمر يدل على الجواز والصحة، وجب أن يدل النهي على عدمهما ووجوب ضدهما، وهو البطلان والفساد، وقيل: إنما يقتضيه بدليل الشرع، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد». فوجب أن يرد كل بيع نهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما لم تقترن به قرينة تدل على جوازه، وأما تفرقة ابن القاسم في رواية عيسى عنه، فلا يحملها القياس؛ لأنه جعل النهي مقتضيا للفساد في بيع الحاضر للبادي، ولم يجعله مقتضيا له في البيع من التلقي، فهي استحسان، ووجهها أن النهي عن أن يبيع حاضر لباد متناول للبيع نصا، والنهي عن تلقي الركبان لا يتناول البيع نصا، وإنما يتناوله بالمعنى، ولا يقوى المعنى قوة النص، مع أنه قد اختلف في فساد البيع بمجرد النص، وكذلك قول من قال: إن البيوع المطابقة للنهي دون أن يخل فيها شرط من شروط صحتها تفسخ ما لم تفت، فإن فاتت مضت بالثمن هو استحسان على غير قياس.
وتحصيل الاختلاف في هذا النوع من البيوع أن نقول فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن البيع يفسخ فيها كلها. والثاني: أنه لا يفسخ في شيء منها. والثالث: أنه يفسخ فيما تناول النهي فيه منها البيع نصا، ولا يفسخ فيما تناوله منها بالمعنى.
واختلف على القول بأنه يفسخ إلى أي حد يفسخ؟ فقيل: إنه إنما يفسخ ما كان قائما، فإن فات بما يفوت به البيع الفاسد مضى بالثمن، وقيل: إنه يفسخ في القيام، ويرد إلى القيمة في الفوات، واختلف على القول بأنه لا يفسخ، هل يكون فيه حق لمن كان النهي بسببه أم لا؟ كالنهي عن تلقي الركبان، وعن أن يبيع حاضر لباد؛ لأن المعنى في النهي عن ذلك إنما هو الرفق على أهل الحاضرة عند مالك وجميع أصحابه. فقيل: إن له في ذلك حقا، وتعرض السلعة في التلقي على أهل الحاضرة في السوق بالثمن، فإن قبلوها وإلا ردت عليه، للحق الذي لهم في ذلك، ويكون المشتري في بيع الحاضر للبادي بالخيار بين أخذها وردها، إن لم يعلم أن حاضرا باعها منه للحق الذي له في ذلك أيضا. وقيل: إنه لا حق له في ذلك، فلا تعرض السلعة في التلقي على أهل السوق، ولا يكون للمشتري من البادي إذا باع منه حاضر، ولم يعلم خيار في ردها.
وقد حكى ابن حبيب أن بيع الحاضر للبادي يفسخ؛ لأن عقده وقع بما نهى عنه رسول الله إلا أن يشاء المشتري أن يتمسك، قال: وهو قول مالك، وقوله بعيد خارج عن الأصول؛ لأن العقد إذا كان فاسدا بالنهي، فلا يجوز للمشتري التمسك به، وإنما الكلام إذا لم يكن فاسدا بالنهي على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه، فقيل: إنه يلزم المشتري ولا خيار له، وقيل: إنه يكون بالخيار إذا لم يعلم أن حاضرا باع منه على ما ذكرناه.
وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن يجعل قول ابن حبيب مفسرا لرواية أصبغ وعيسى عن ابن القاسم في هذا الرسم، وذلك غير صحيح؛ لأنه قد نص فيها أنه بيع حرام؛ لنهي النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عنه، فكيف يصح أن يقال في البيع الحرام: إن المشتري فيه بالخيار، فرواية سحنون عن ابن القاسم مخالفة لرواية عيسى وأصبغ عنه في ثلاثة مواضع؛ أحدها: أن بيع الحاضر للبادي لا يفسخ. والثاني: إيجاب الأدب فيه، وفي بيع التلقي إذا لم يعذر بجهل؛ لأن ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه لا يرى في ذلك الأدب، إلا أن يكون معتادا بذلك، وهو قول ابن وهب في رواية زونان عنه. والثالث: ما ذكرته من تعارض قوله في وجوب عرض السلعة في التلقي على أهل السوق.
وأما قوله في رواية أصبغ في أهل نبا وأبو صير أنهما كورتان من كور أهل مصر، فهما كأهل المدائن في جواز البيع لهم، فقد مضى الاختلاف في ذلك، والقول فيه في رسم حلف، وفي رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة الحضري يأتي البدوي في باديته فيسأله عن سعر السوق هل يخبره:

قال زونان: وسئل أشهب عن الحضري يأتي البدوي في باديته، فيسأله عن سعر السوق- سوق السلع- هل ترى للحضري أن يخبره ويشير عليه؟ قال: لا أرى ذلك، وسألت عنها ابن وهب فقال لي مثله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ إذ لا فرق بين أن يخبره بذلك في باديته، أو في الحاضرة إذا قدم، وقد مضى القول على ذلك في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة هل للحاضر أن يبيع سلعة البادي للضرورة:

وسئل أشهب وأنا أسمع عن رجل من أهل البادية أتى بسلعة إلى الحضر، فعرضت له علة؛ هل ترى للحاضر أن يبيع سلعته؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا أصابته علة يقدر على أن يتربص ببيع سلعته حتى تذهب علته، أو يدفع إلى من قدم معه من أهل البادية يبيعها له، إلا أن تكون من السلع التي تفسد إن بقيت، وليس معه من جيرانه ورفقائه من أهل البادية من يتولى بيعها له، فتكون هذه ضرورة تبيح للحاضر بيعها له إن شاء الله، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم بيع أشياء يغش بها المسلمون:

ومن كتاب أوله الرهون:
وسئل ابن القاسم عن بيع أشياء يغش بها المسلمون، قال:
ما كان من ذلك ليس له وجه إلا الغش، فلا أحب لأحد أن يبيعه، وما كان من ذلك فيه منفعة؛ فمن أراد أن يغش به أحدا، فلا بأس أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به، فإذا علم أنه يريد به الغش فلا يبيعه منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن ما كان لا منفعة فيه إلا الغش به، فلا يجوز بيعه على حال، وذلك بخلاف الدرهم المغشوش بالنحاس؛ لأنه يمكن أن يسيله فيجعل فضته على حدة، ونحاسه على حدة، فيجوز أن يبيعه ممن يكسره، وممن يعلم أنه لا يغش به إلا على اختلاف ضعيف، ويكره أن يبيعه ممن لا يأمن أن يغش به، ويختلف هل يجوز أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به، فأجاز ذلك ابن وهب وجماعة من السلف، ولم يجزه ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك كله في رسم النسمة، من سماع عيسى، من كتاب الصرف، وأما ما كان فيه منفعة، ويمكن أن يغش به، فجائز أن يباع ممن لا يدري ما يصنع به، ويكره أن يباع ممن يخشى أن يغش به، ولا يجوز أن يباع مما يعلم أنه يغش به، وبالله التوفيق.

.مسألة غش النساء يصنعنه فيضعنه على رءوسهن ثم ينزعنه كهيأة القلنسية ولكنه شعر:

ومن كتاب الجواب:
وسألته عن الغش غش النساء يصنعنه، فيضعنه على رءوسهن، ثم ينزعنه كهيأة القلنسية، ولكنه شعر، قال ابن القاسم: لا خير في ذلك كان من شعر أو وبر، فإن النساء يضعنه من وبر الإبل كما زعموا فلا خير فيه، كان من شعر أو وبر، قيل لأصبغ: فشيء يعمله النساء في رءوسهن يسمينه النونة، أترى به بأسا؟ قال: ما أرى به بأسا ما لم يعظمنه جدا كأسنة البخت العجاف، فهي إذا عظمت شبيهة بذلك، فأما ما كان مقتصدا، فلا بأس بذلك كان شكل النساء عندنا قديما ثم تركنه، وأراه من شكل نساء العرب قديما.
قال محمد بن رشد: أما الغش الذي ذكر أن النساء يضعنه، فالكراهة فيه بينة؛ لأنه القصة المنهي عنها في حديث معاوية؛ إذ خطب الناس بالمدينة، فتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى عن مثل هذه، وقال: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم»، وهي شبه الجمة من الشعر أو الوبر، تضعها المرأة التي لا شعر لها، أو التي لها شعر لطيف على رأسها تراءى به أنه شعرها، وقد لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الواصلة والمستوصلة، هذا من ذلك المعنى.
وإنما النونة التي لم ير بها أصبغ بأسا للمرأة ما لم تعظمه جدا حتى يكون كسنام البعير الأعجف، فهو شيء كان النساء يصنعنه فيضعنه على رءوسهن تحت أخمرتهن هيئة من هيئاتهن، لا تشبه به أنه شعرها، فلا وجه للكراهة فيه، وإنما كره ما عظم منه لخروجه عن شكل نساء العرب، وكونه تشبه شكل نساء العجم، والتزيي بزي العجم مكروه للنساء كما هو للرجل، فهذا وجه قوله عندي، والله أعلم.